حسن حسني عبد الوهاب
48
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وكان عمر بن يمكتن المذكور يعيش في أوائل الدولة العباسية - في حدود سنة 140 ه ( 757 م ) . يستفاد من الخبر المتقدم أن الطريقة المشار إليها من ترصّد ناشئة البربر للسّابلة من العرب القادمين من مصر إلى القيروان في مبتدإ المائة الثانية للهجرة إنما حصلت على الصورة المحكية آنفا لسببين كبيرين : الأول - حرص أبناء الأهالي الأصليين على تعلّم الدين الجديد واجتهادهم في مزاحمة أبناء الفاتحين رغبة في الالتحاق بهم والاستواء معهم في المعرفة . الثاني - قلة وجود المصاحف المكتوبة في ذلك العصر حتى يحتاج المتعلمون للتعرّض إلى المسافرين الوافدين من المشرق ، وتلقّي سور القرآن بالإملاء منهم ورسمها على الألواح بقصد حفظها . ويؤيده ما نقل أبو العرب في ترجمة إسماعيل بن رباح الجزري - من رجال القرن الثاني - قال : " وحدثني من أثق به أن إسماعيل كان في طفولته يحضر الكتّاب فإذا حفظ ما في لوحه غسل ما فيه من القرآن بالماء في إناء معد لذلك " . ومن هذا الباب ما حكاه عبد اللّه بن إسحاق التبّان - تلميذ أبي العرب المتقدم . قال : " 1 " " كنت في أول ابتدائي التعلّم أدرس الليل كله ، فكانت أمّي تنهاني عن القراءة بالليل ، فكنت آخذ المصباح وأجعله تحت الجفنة - أي القصعة - وأتعمد النوم ، فإذا رقدت أمي أخرجت المصباح وأقبلت على الدرس إلى الفجر . . . " قال : " وقال لي أبي ذات يوم : يا بني ! ما يكون منك ، لا تعرف صنعة واشتغلت بالعلم ولا شيء عندك ؟ - فلما كانت ليلة من الليالي سمعته يقول لوالدتي : عرفت اليوم أني اشتهرت بابني ، وذلك أني حضرت أملاكا في مسجد سمّاه - من مساجد القيروان - فوجدته مملوءا بالناس ولم أجد مجلسا لي ، فقام لي رجل عن مجلسه وأجلسني فيه ، فسأله إنسان آخر عني ، فقال له : اسكت ! هذا والد الشيخ أبي محمد التبّان - فمن ذلك اليوم رجع والدي عن فكره الأول
--> ( 1 ) المدارك 2 [ 7 : 249 ] ومعالم الإيمان 3 : 109 [ 3 : 88 ] .